في صيف سنة 2002, كعادتنا في تلك السنوات الغابرة، كنا نسافر للبادية, كلنا, نزور الجبال و الوديان حيث جدتي -أم أمي- رحمها الله, و الهضاب و السهول حيث بيت جدي-أبو أبي- رحمه الله, و مناطق أخرى, و تكون فرصة لنا لنلقى أبناء الأخوال و الخالات و الأعمام الذين يأتون أيضا ليمضوا بعض الوقت بعيدا عن صخب المدن و ضجيجها.
في ذاك الصيف و عندما كنا عند عمي "العربي" إلتقيت برشيد إبن عمي و محمد حفيد عمي و أسامة أخي بالرضاعة, كنا نمضي الوقت في ركوب البغال و الحمير و أحيانا الخيول حيث كنا نتسلل لها عندما يغفلون عنها, لأنهم كانوا يحرصون عليها، كانوا يقولون أنه يجب معاملتها برفق, و قد ربطنا علاقات وطيدة مع البغال و الحمير, رغم أن هذه الأخيرة كانت تعصي الأوامر و تتعمد المرور من تحت الأشجار لكي تصدم رؤوسنا بالأغصان القاسية، الغبي هو من يظن أن الحمير غبية ! و كنا نلعب مع القنيات الجبانة ! و نركض خلف الدجاجات المزجعة و كان يركض خلفنا الماعز المشاكس !
كنا نذهب لواد قريب و نتصادم مع أبناء قبيلة أخرى. كنا نصطاد العقارب و نضعها في قنينات بلاستيكية و نخيف بها البنات ! كنا نتسلل صاعدين للسطح, و نسطو على اللوز و الجوز المخصص للبيع, كانت في السطح خلايا نحل كثيرة تعطيهم العسل, قذفها إبن عمي مرة بحجر كبير، ففررنا و تركنا النحل يهاجم كل من في البيت, فر الجميع خارج البيت, شك فينا البعض .. لكننا أطلقنا إشاعة مفادها أن الكلب هو الذي ذهب يلعق العسل ! لم يصدقنا أحد .. لأن الكلاب تلعق العظام ! كنا أيضا نسبح في حوض كبير مخصص للسقي, كانوا يقولون لنا أن لا نسبح بعد العصر فيه لكي لا نزعج الجن. ألم يجد الجن مكانا يقيم فيه إلا حوض الماء ؟
في الليل كنا نستلقي وسط ساحة البيت و نراقب النجوم و النسيم العليل يداعبنا, منظرها رائع سبحان الله, رأينا نجوما تطير بسرعة البرق و رأينا العقرب و الدب الكبير و النجم القطبي و الفارس, كانت ساعات تأمل عميق و إندهاش و إنبهار بسعة هذا الكون و عظمة الخالق سبحانه, كنت أحاول تخيل عمق هذه السماء و ضآلة الأرض و حجمي أنا بالنسبة لهذا الكون .. إنه شعور رهيب !
كنا ندخل غرفة لنلعب الورق, و نضحك قليلا و نحكي بعض النكت و الحكايا, قبل أن يحين موعد النوم, و يتحتم علينا عدم إصدار أي صوت لندع الكبار ينامون بسلام.
في تلك الفترة من عمري, كنت مهووسا بالمتفجرات, بالصواريخ و القنابل, بدأ هوسي بها عندما سألت نفسي عن السبب الذي يجعل الصاروخ يطير في السماء ؟ أنبوب يحتوي على مادة قابلة للإحتراق و .... ؟ و حسب ! كم هو سهل صنع صاروخ ؟! يكفي أن آخذ أنبوبا ثم أحشوه بمادة قابلة للإشتعال و ها أنا صنعت صاروخا ! لكن من أين لي بالمواد المحترقة ؟ الغاز ؟ البنزين ؟ لا لا .. المواد السائلة ستسيل و لن تنفجر, أحتاجا مادة صلبة لكي لا تسيل ولكي يحدث ضغط على جوانب الأنبوب و يحدث إنفجار !
و خطرت على بالي الفكرة الذهبية
!
وجدتها
إنه :
كيبريتيد الفوسفور !
نعم إنه كبريتيد الفوسفور ... ألا تعرفونه ؟!
إنها المادة الكيماوية التي تصنع منها رؤوس أعواد الثقاب !
أخذت قلما أزلت منه أنبوبة المداد و تركت الرأس .. إشتريت علبا كثيرة من أعواد الثقاب .. أغلقت علي الباب و شرعت أنزع رؤوسها , كان عملا متبعا للأصابع, لكن كل شيء في سبيل الصاروخ يهون .. هكذا همتي تكون !
ثم أخذت تلك الرؤوس الصغيرة و حشوتها في القلم, و ضغطتها, فعلت كل هذا بحذر شديد لأني كنت أخشى أن تشتعل تلك الرؤوس فأحترق ... !
و أخيرا إنتهيت من صنع صاروخي الأول !
لم يكن بالبيت إلا أمي و أبي, بعد عصر ذاك اليوم, ذهبت لغرفة لا سقف لها توضع فيها آلة التصبين و الأشياء القديمة, أغلقت الباب, كنت حائرا, كيف سأشعل صاروخي لينطلق ؟!
لم تكن عندي منصة إطلاق !
و أصلا لم أكن متأكدا من أنه سنطلق, و كنت أتوقع أن يشتعل دون أن يراوح مكانه !
وضعته على الأرض .. أسندت رأسه بشيء ما .. أمسكت اللايتر, أشعلته, و قربته رويدا رويدا من مؤخرة الصاروخ ... رويدا ... رويدا ... وااااو .. فجأة و قبل أن ألمس الصاروخ إشتعلت شرارة صفراء منفجرة من مؤخرته و إنقذف القلم بسرعة البرق نحو الحائط المقابل ... أوه ... إختلطت مشاعر الفرحة و النصر و وددت أن أصرخ بأعلى صوتي من الفرحة ..
حدث هذا في سنة 2001 ..
في السنة الموالية و لما كنا في البادية ... كانت تراودني الفكرة بشكل ملح ... في البادية يمكنك أن تصنع قنبلة كبيرة و تفجرها في فج عميق أو واد سحيق و لن يعرف أحد بالامر ..
كلمت أسامة في الموضوع ...
أنا و أسامة كالتوأم, الناس يخلطون بيننا, يظنون أني أسامة و يظنون أنه أنا, و بالإضافة إلى التشابه الكبير في الشكل, نتشابه أكثر من حيث الأفكار و الإهتمامات, أفهمه و يفهمني دون حاجة للكلمات أحيانا, أكبره بستة أشهر, لكنه يضاهيني في الجنون !
صار متحمسا أكثر مني لمشروع القنبلة :
سنشتري أكواما من أعواد الثقاب, ننزع منها رؤوسها, و نملأ قنينة كولا كبيرة, و نذهب بعيدا بعيدا في صحراء خالية, و نفجر قنبلتنا و نستمتع بصوت و لهيب الإنفجار لحظة أو لحظتين ثم نعود منتصرين ! 
رشيد و محمد كانا يلازماننا, لم نجد بدا من إدخالهما في الخطة, تردد رشيد لكن سرعان ما تبددت مخاوفه لما أخبرته أنه سبق لي أن اطلقت صاروخا و ليس مجرد قنبلة
!
توجهنا إلى محل تجاري يبعد عن البيت كلتمرين, طلبنا من البائع ستين علبة أعواد ثقاب, نظر لنا متعجبا, إذ لم يسبق لأحد ان إشترى مثل هذه الكمية التي تكفي لأربع سنوات ! عدنا بكيس بلاستيكي كبير مليء بالعلب, كل واحد منا سيتكلف بمعالجة 15 علبة, و الحذر الحذر من أن ننكشف.
إكتشفت زوجة عمي في غرفة خالية نلعب فيها عادة الكرة, الكثير من عيدان الثقاب المعالجة ! أنكرنا أن لنا علاقة بالموضوع, و أطلقنا إشاعة مفادها أن الذي نزع منها رؤوسها غالبا كان يلعب لعبة تلعب بأعواد الثقاب.
قررنا تحويل نشاطنا إلى خلف البيت تحت شجرة كبيرة. و بينما نحن نجتهد, إذ بعبد الله - 6 سنوات - آت نحونا, أخفينا ما بأيدينا بسرعة, و أمرناه أن يذهب, لكنه عنيد, كان يحس أننا نخفي عنه شيئا ما, حاولنا تصريفه, لكن بدون جدوى, قام رشيد و أخرج من جيبه درهمين, و قال له أن يذهب للمحل التجاري و يشتري بسكويتان, يأخذ واحد -رشوة- و يأتي لنا بالثاني. كنا مطمئنين, لأن المحل بعيد بما فيه الكفاية ليغرب عن وجهنا لفترة كافية أو ربما نكون محظوظين و يظل طريق العودة فنتخلص منه بالمرة ! أو ربما يقرر السطو على كل البسكويت !
لكنه كان أمينا .. و لئيما أيضا ! إذ عاد لنا ببسكويت .. لكن بعد أن أخبر الكبار أننا نلعب بأعواد الثقاب خلف البيت !!
في الليل ... حذرنا الجميع و أنبونا و توعدونا, كانوا يظنون أننا نريد أن نحرق شجرة كبيرة خلف البيت،
- :"بالله عليكم هل شجرة كبيرة تحرق بعود ثقاب ؟!" قلت لهم مستنكرا ..
- :"و ماذا تفعلون بأعواد الثقاب ؟" سألني أخي الكبير محققا ... فلم أستطع حبس ضحكتي, قلت له ضاحكا, أنها مجرد تجربة بسيطة, فقال لي أن نذهب للوادي و نعمل تجاربنا و أن نبتعد عن البيت لأنهم كما قال لازالوا في حاجة له !
فطمأنته إلى أن الجنون لم يبلغ بنا بعد درجة إشعال نار في بيت جميل مثل بيت عمي.
أخي له سوابق كثيرة في ميدان الكوارث و هو من النوع الذي يدعك تنطلق وسط طريق مزدحم بالسيارات بدراجتك دون أن يملأ الشارع صراخا لتعود خيفة ان تدهسك إحدى المركبات.
أحب فيه هذه الخصلة الحميدة !
أخذنا قارورة كولا زجاجية كبيرة, فسألتنا زوجة عمي عماذا نريد فعله بها, طمأناها فاطمأنت و طلبت منا فقط أن لا نكسرها ! قلت لها "أبشري" و أضمرت في خاطري "لن نكسرها و حسب بل سنفجرها
" ..
كان علينا إيجاد طريقة ما لإيصال الشعلة للقنبلة حتى تنفجر .. لا يمكن أن نشعلها عن قرب, لأنها ستنفجر علينا, ففكرت في البنزين .. سنسكب البنزين مبتعدين عن القارورة راسمين خطا طويلا رأسه عند القارورة و رأسه الآخر عندنا .. و سيكون وصلة الربط بيننا و بين القنبلة !
البنزين عادة لا يباع للأطفال .. و حينها كنا كلنا أطفالا, كان عمري أربعة عشر سنة تقريبا و كنت أكبر العصابة .. ماذا سنفعل ؟
رشيد خطرت على باله فكرة شيطانية .. كانت هناك مضخة تعمل على سحب الماء من البئر, تعمل بالبنزين, حملناها, نحن الأربعة إلى محطة الوقود, و وضعناها أمام خزان البنزين منتظرين مجيئ العامل, جاء, فإلتفت أسامة لرشيد و قال له بإمتعاض و حنق كلاما يوحي باستياءه من تكليف الأهل لنا بهذه المهمة ..
ملأها لنا بلترين من البنزين ... حملناها مرة أخرى و عدنا, توقفنا في مكان بعيد عن البيت, قلبنا المضخة و سكبنا ما فيها من بنزين في قارورة كبيرة بلاستيكية. خبأناها وسط كومة كبيرة من التبن, وأعدنا المضخة لمكانها بدون أن ينتبه أحد.
ما يعجبني في البادية هو أنه يمكنك أن تصنع كارثة كبرى .. دون أن ينتبه لك أحد !
ملأنا قارورة الكولا بما جمعناه من رؤوس الثقاب عفوا أقصد كبريتيد الفوسفور ! و تبقى لدينا القليل منه, جاء محمد بقارورة دواء صغيرة, ملأناها بما تبقى, و إتفقنا على الإنطلاق بعد العصر.
و بعد العصر, حملنا قارورة ماء, و عصى لدرء خطر الضباع و السباع ! - أمزح - و حملنا القوارير عفوا أقصد القنابل و توجهنا بسرعة نحو سهل خال تتراءى منه أضواء البيوت من بعيد كما تتراءى من الأرض النجوم.
وصلنا بعد ساعة من المشي الهادئ, ليس إلا القحولة و أشواك هنا و هناك, حفرنا حفرة للقنبلة الكبيرة, دفناها في التراب و لم يظهر منها سوى الرأس, و بقربها وضعنا القنبلة الصغيرة, و جلسنا ننتظر الظلام بتقليب الصخور بحث عن عقرب تعيس الحظ أو شيء ما نجزي به الوقت.
كنا نريد رؤية النيران مشتعلة وسط أميال من الظلام, و أردنا ان نسمع الإنفجار وسط أميال من الصمت و السكون.
أظلمت السماء, و لم نعد نرى إلا النجوم في السماء ..
أسندت لأسامة مهمة سكب البنزين على شكل خط يمتد من القنبلة إلى مسافة آمنة، و رشيد كان عليه أن يشعل الشرارة من الطرف. كنت أظن أن النار ستشتعل على طول الخط البنزيني بسرعة متوسطة, وكنت أظن أن التراب سرعان ما سيمتص البنزين, لذلك خفت من أن نسكب البنزين و لما نشعل النار يكون قد تسرب داخل الأرض فلا تصل الشرارة للقنابل !
لدى قلت لرشيد بأن يشعل الشرارة في البنزين بسرعة قبل أن ينهي أسامة سكبه, توقف كل منا في مكانه بعيدا بمسافة كافية عن الإنفجار, طلبت من أسامة أن يبدأ فذهب قرب القارورة و سكب قليلا من البنزين و أخذ يبتعد عن القارورة و هو يسكب, إبتعد بخمسة عشر مترا تقريبا, و قبل أن يتوقف طلبت من رشيد أن يشعل الشرارة بسرعة, فأشعلها !
و في هذه اللحظة .. كادت تحدث الكارثة !
إذ انطلقت النار نحو أسامة بسرعة رهيبة .. متتبعة مصدر البنزين, كاد أن يحترق لولا حفظ الله, طارت القارورة التي كان يحملها في يده متوهجة في السماء و مصدرة دويا مخيفا, أما هو فقد فر فزعا و لم يتوقف .. و في الجهة الأخرى كانت النار تسري بسرعة البرق .. وصلت للقارورة .. ثم ..
ثم ..
إنفجرت القنبلة محدثة دويا كبيرة من تحت الأرض, تبعها إنفجار أصغر, و اشتعل المكان كله بنار كبيرة زرقاء و صفراء ..
بقينا ننظر منذهلين مندهشين, لم نكن نتصور أن كل تلك النيران ستشتعل, بعد دقائق, فكرنا في إطفاءها, لكنها كانت تزداد توهجا كلما رمينا عليها التراب, كان التراب كله بنزين يحترق, إبتعدنا عنها و نحن نعلم أن الكثير من الناس ينظرون تجاهها من بعيد جدا, و يتساءلون عن مصدر هذه النار ؟!
كان الظلام حالك و السماء سوداء .. حتى النجوم لم يعد بوسعنا رؤيتها من أثر نور النار في أعيننا .. كنا نسرع و نهرول و نجري أحيانا, و نلتفت وراءنا, كانت النيران تبتعد عنا شيئا فشيئا, كانت هي الشيء الوحيد الذي نراه, كانت الأشواك تلسع أقدامنا و نصدم أحجارا من حين لآخر, و بعد نصف ساعة من المسير اكتشفنا أننا أخطأنا الطريق, ثم غيرنا وجهتنا من جديد, دقائق حتى تراءى لنا البيت فأبطأنا, كنا سعداء جدا, ظللنا الليل كله نحكي لبعضنا عما صنعناه, و نتذكر أسامة لما طار من يده البنزين و فر هاربا تاركا كل شيء وراءه و نضحك !
سألنا أخي عندما دخلنا, فأشرت له أننا أجرينا التجربة, سألني هل في الوادي, قلت له لا بل في الثلث الخالي ! فهز رأسه مشجعا أو كذلك حسبت قصده !
في الغد عدنا لمكان الإنفجار, وجدناه أسودا, لم نجد أثرا لقوارير, كانت هنالك هالة كبيرة من أثر الإنفجار .. و سواد غطاها .. و حسب !
لم أكن أخبر أحدا أني استعمل أعواد الثقاب, و إنما أخبرهم أني أستعمل كبريتيد الفوسفور, لأوهمهم بأني عالم كيمياء
! هههههه
و فكرت في أن أعواد الثقاب غير مجدية و هي طريقة تقليدية مضحكة, و قررت أن أنتظر حتى تأتي عاشوراء, و أقتني كمية كبيرة من الألعاب النارية, وأفرغها من محتواها, و أصنع قنابل و صواريخ حقيقية.
لكن حدثت الأحداث الإرهابية سنة 2003, و تورط الكثير من الناس, فنسيت الموضوع, لأن إقتناء كمية كبيرة من الألعاب النارية المتفجرة قد لا يثير شكوكا, لكن تفجير قنبلة صغيرة, قد يودي بك في ستين دهية كما يقول المصريون, و من سيصدقك إن قلت أنك صنعت القنبلة لمجرد اللهو و اللعب ؟؟
من ؟؟
--------------------------
من مذكراتي لسنة 2002
أخوكم تفاؤل
هذا يكفي !
كل ما أنا بحاجة له الآن .. هو أن لا تسوء الأمور أكثر !!